“الفصلية” جرائم يرتكبها الرجال بحق النساء

تحسين الزركاني

سهلة حسن الرماحي (54سنة)، التي تعنفت  منذ الصغر على يد ابيها واخوتها، الذين دفعوا بها اضحية للتقاليد العشائرية بعد أن قتل أحدهم جاره بالخطأ، لتقرر عشيرته تزويجها من شقيقه، لتهان دون ذنب لعقود عدة.

وتعرف “الفصلية”، في العراق على أنها تزويج البنات من عشيرة المعتدي، الى أحد ذوي المعتدى عليه كتعويض عن جريمة القتل، إضافة الى ما يدفع معها من مبالغ مادية كدية لذوي المقتول.

وتقول الرماحي، إنني “نشأت في بيئة ريفية تعاني جميع نسائها من الجهل والامية، بسبب عدم السماح لنا بدخول المدارس لنتعلم القراءة والكتابة، وقد طلبت في يوم من أبي السماح لي بالذهب الى مدرسة القرية لكنه وبخني وطردني، وعندما سمع اخي الكبير بما طلبت جن جنونه مني ولم يكتف الا بعد ان أبرحني ضربا لأكون عبرة الى اخواتي الأربعة”.

وتوضح الضحية، أن “أخي الصغير قتل جارنا في أحد الأيام بالخطأ، عندما كان ينظف بندقيته في الحقل، واجبرنا بسبب الاحكام العشائرية السائدة الى ترك الأرض والمنزل والمنطقة التي نسكنها لمدة خمسة سنوات، على الرغم من دفع الدية بعد تدخل العشائر المجاورة لنزع فتيل الازمة، وكنت من ضمن الدية التي دفعت الى ذوي المقتول”.

وتتابع الرماحي، أن “اهلي أجروني على الزواج من شقيق المقتول، وانا بعمر الرابعة عشر، أتذكر ليلة الدخلة، التي من المفروض ان ترى فيها العروس بداية لحياة جديدة، لكني شاهدت الجحيم تلك الليلة وتمنيت ألف مرة الموت باي طريقة على ان استمر بهذا الحال”.

وتضيف الرماحي، أن “قبلة الجبين التي يبادر بها العريس لعروسته في ليلة دخلته، التي سمعت عنها فيما بعد، كانت عبارة عن ضرب الوجه بالصفعات، لم افهم الا قبل سنوات قليلة ان كلمة الاغتصاب هي التي عشتها ليلة عرسي”.

وتستذكر الضحية، أن “زوجي منعني عشرين عاما من زيارة أهلي، على الرغم من انجابي ستة أولاد وبنتين، لتعويضه عن دم أخيه”، وتستغرب من “معنى مناهضة العنف ضد المرأة أو حقي الذي حرمت منه في الحياة، فلم اسمع منذ زواجي حتى اليوم كلمة حب، ولم انعم بالمشاعر”.

وتبين الرماحي، أن “أيام عدة فكرت فيها بالانتحار، لكن اطفالي وسمعة اسرتي كنت تمنعني، وتجبرني على تحمل سوء المعاملة الذي اتعرض له منه ومن جميع أقاربه”، وتلفت الى أن “زوجي يجبرني منذ عقود الى بيع الخضار التي نزرعها في الحقل بالأسواق لتامين مصاريف أبنائي وبناتي، لانه لم يمنحنا دينارا واحدا منذ زواجي، فيما تنعم زوجته الأخرى وابنائها بسبل العيش الكريم”.

وكانت جمهورية العراق الأولى ألغت في العام 1958، قانون العشائر قضت على سلطة القبيلة السياسية، وحولتها إلى هيئة اجتماعية ريفية، يمكن للمرء الرجوع إليها للمشور، لكن الفراغ السياسي الذي خلقه النظام العراقي السابق، ومنحه للعشائر نفوذا جديدا سمح بعودة بعض المشاهد التي غابت عن ساحته المجتمعية.

وأصدر المشرع العراقي في هذا الموضوع بعض القوانين منها ما جاء بنص المادة (9) من قانون الأحوال الشخصية (188) لسنة 1959″، التي تنص على: “معاقبة من يُكره شخصاً، ذكراً كان أم أنثى على الزواج من دون رضاه، أو منعه من الزواج بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة، إذا كان المكره أو المعارض أقارب من الدرجة الأولى”.

وكان خبير شؤون العشائر، ومؤلف كتاب “النظام العشائري العراقي في عصر الديمقراطية”، الشيخ مهنى ال صكبان، أكد في تصريحات صحافية سابقة على أن “الفصلية كمفردة في قانون العشائر لاتزال متبعة في الكثير من المناطق، منها محافظة ميسان والقادسية وذي قار وأطراف السماوة وأطراف واسط القريبة من ميسان،  وفي المناطق الغربية للأنبار وصلاح الدين ولدى عرب الكرد في أربيل وكركوك والقرى الجبلية الشرقية للسليمانية، والفصلية قانون عشائري موجود لدى الصابئة والمسيح في الموصل والاقليات الأخرى، ورغم انه قل بشكل كبير الا انه لايزال ينشط في اماكن وحتى التي يقل فيها التطبيق الا انها لاتزال تستخدم التسمية وان كانت للردع والتخويف لكن الاثر السلبي ينعكس على نفسية المرأة في تلك المجتمعات”.

ويمتلك  الشيخ دراسة تبين ان  “عام 2008، شهدا زيادة نسبية في الحكم بالفصلية بعد ان قل خلال سنوات ماضية، اذ كان للمنع الذي اصدره النظام السابق الفضل فيه”، وبحسب الشيخ فان “تقوية جانب العشائر من قبل دولة القانون ومنذ عام 2008 وحتى الان وربطهم بقنوات اتصال “الإسناد العشائري”، والصحوات بمكتب رئاسة الوزراء، اتاح فرصة لان تعود قوانين العشائر للواجهة لاسيما وان المحاكم بدأت تتيح الفرصة للعشائر لحل نزاعاتها في ما بينها ومن بعد تذهب للمحاكم التي تقضي بناء على التنازل والتراضي العشائري، ويضيف في كتابه ان “شيخ العشيرة اصبح يملك خط اتصال مفتوح مع رئاسة الوزراء لاسيما وان اربع من مستشاري رئيس الوزراء هم من شيوخ اكبر القبائل العراقية، ويستشهد بأماكن وأحداث تبين ان قضاة التحقيق وحتى الجنايات يعطلون القضايا ومنها القتل وقتاً ريثما تنهي القبلية محاكمتها وتبت بأمر التراضي ودفع الفصل الذي قد يكون “المرأة”، ومن ثم يحكم القاضي ببراءة القاتل او بالحق العام”.

لعنة زواج الأقارب!

النهضة الفكرية وصرخة تكنولوجيا المعلومات وتعدد منصات التواصل الاجتماعية، وزيادة منظمات المجتمع المدني في العراق، لم تتمكن بعد مضي عقد ونيف من الزمن من تخليص النساء، فلعنة التقاليد المجتمعية التي تعارض الاحكام الشرعية في غالبيتها، ومنها زواج الأقارب الذي يعد شكلا من أشكال تعنيف النساء، اذ يفرض البعض على المرأة الزواج من ابن عمها او خالها، لتقاسي حياة غير حياتها وتدفع ثمن قرارات اتخذت نيابة عنها، دون مراعاة سلبياتها، كما حصل مع اسراء محمد (27 عاما).

وتقول محمد، إن “ضعف الموارد المادية لأسرتي دعاهم الى تزويجي في سن الرابعة عشرة من العمر، من ابن عمتي، دون ان أشبع من لعب الأطفال حتى، والذريعة في ذلك ان أتأقلم مع اسرتي الجديدة”، وتلفت الى أن “المشاكل ابتدأت منذ العام الأول من الزواج، بسبب اكتشافي لخيانته الزوجية ومواجهته بأشياء اكتشفها رغم محاولاته اخفائها”.

وتتابع محمد، أن “الضرب والتجريح كان اللغة السائدة في مفهومه، تحملت كثيرا حتى فاض بي الصبر وأطلعت اسرتي على ما يفعله معي، لكن بدل ان يقفوا بجانبي، وقفوا معه ضدي، الى ان خرج الامر عن جميع التسميات والمفاهيم، وبدأت المشاكل تتسع، وحصل خلاف بينهم وبين عمتي، وهددتهم بالانتحار مالم اتخلص من النقمة التي وقعت بها، عندها اقتنعوا واخذوني معهم”.

وتتساءل الضحية، عن “الذنب الذي اقترفته لتقف اليوم صامتة أمام طفلها الذي بلغ ثمانية سنوات من العمر، عندما يسأل عن أبيه، وعن القانون الذي لم ينصفني منذ ثمانية أعوام، حتى الان، على الرغم من أن ظاهره يدافع عن المرأة وحقها، فوقف عاجزا عن اعطائي حقوقي الزوجية وحضانة أبني ونفقاته”.

وتؤكد محمد، أن “الحياة القاسية التي عشتها دفعتني اليوم الى حث الناس من خلال استخدام منصات التواصل الاجتماعية والمدونات، الى عدم تزويج القاصرات فالنتائج معروفة سلفا، وعلى الاسرة العراقية تحمل مسؤوليتها تجاه بناتها، او تفكر بتحديد النسل ان لم تكن قادرة على تدبير معيشة الأطفال، بدل الرمي بهم بقارعة الطريق، خاصة النساء، فنظرة المجتمع الدونية للمطلقة على انها فريسة يمكن التهامها في أي وقت”.

يذكر أن الفقرة (1) من المادة السابعة من قانون الاحوال الشخصية المعدل رقم 188 لسنة 1959 لعقد الزواج، اشترطت تمام اهلية الزواج، واكمال الثامنة عشرة، الا انها في المادة الثامنة في فقرتيها (1) و (2) اجازت “لمن أكمل الخامسة عشرة من العمر، ان يطلب الزواج، للقاضي ان يأذن به، اذا ثبتت له اهليته وقابليته البدنية وبعد موافقة وليه الشرعي، وللقاضي ان يأذن بزواج من بلغ الخامسة عشرة من العمر اذا وجد ضرورة قصوى تدعو الى ذلك “، ويشترط لإعطاء الاذن تحقيق البلوغ الشرعي والقابلية البدنية.

وعليه فأن المشرع العراقي قد اعتبر شرط تمام الاهلية للزواج العقل، واكمال الثامنة عشرة، اما استثناء وهي حالة طلب زواج من أكمل الخامسة عشرة فللقاضي متى ما ثبتت له اهلية طالب الزواج وقابليته البدنية وموافقة وليه ان يأذن له بالزواج.

اما بالنسبة لقانون العقوبات العراقي فقد عالجت المادة (329) بفقرتيها (2،1) من قانون العقوبات المعدل رقم (111) لسنة 1969 حالات القيام بعقد زواج القاصرات خارج المحكمة خلافاً لأحكام قانون الاحوال الشخصية المشار إليها اعلاه فقد جاء حكم فقرتي المادة (329) من قانون العقوبات، بان يعاقب بالحبس وبالغرامة، او بإحدى هاتين العقوبتين كل موظف او مكلف بخدمة عامة ، وحيث ان من يقوم بإبرام عقد الزواج هو مكلف بخدمة عامة وذلك لتمتعه بصفة خبير في القضايا الشرعية ومنح هوية خبراء بهذا الصدد من محاكم الاحوال الشخصية استناداً لقانون الخبراء رقم (163) لسنة 1964.

يذكر ان علماء الدين يختلفون في فتاواهم بتحديد سن الزواج وعمر القاصر فهناك عدة آاراء الا انها تتفق على تزويج المرأة عند بلوغها الخامسة عشر من العمر باذن ولي الامر.

دور المجتمع المدني

ويبدو ان المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المجتمع المدني ومنظماته المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة، الذي تنازلت عنه الكثير من النساء للأسف بالصمت على ما تتعرض له من تعنيف في جميع مجالات الحياة، كما ترى الناشطة المدنية كريمة الطائي.

وتقول الطائي، أن “كثير من النساء تنازلت بالصمت عن حقها، على الرغم من أنهن معنفات في المنازل والعمل والمجتمع، اما خوفا من التقاليد والتبعات الاجتماعية، او تغيب القانون لكثير من حقوق المرأة حتى الان، فالمشرع العراقي للأسف ما زال قابعا على تشريعات وقوانين الحقبة الماضية التي اكل الدهر عليها وشرب ولم تعد تنسجم مع تطلعات وطموح وامكانيات المرأة وقدرتها على النجاح في جميع الميادين”.

وتوضح الطائي، أن “المرأة العراقية خاصة في المجتمعات الريفية تخضع الى الكثير من التعنيف اللفظي والجسدي، والسبب في ذلك غياب الوعي والثقافة بحقوقها المدنية والشرعية، وتسمح للأسف بان تمرر عليها كثير من الممارسات التي رفضها الشرع والقانون وسمحت بها التقاليد والأعراف التي تعود الى الجاهلية، وتتحمل منظمات المجتمع المدني مسؤولية نشر الثقافة في تلك الأوساط لتمكين المرأة الريفية من نيل حقوقها المسلوبة طواعية، لانها ارتضت ان تكون مرضعة اطفال وجارية تخدم بيت السيد لا أكثر”.

يذكر أن ناشطات نسويات، أعلنت في 25 نوفمبر من كل عام كيوم للقضاء على العنف ضد المرأة. وفي 17 ديسمبر 1999 عدت الجمعية العامة للأمم المتحدة 25 نوفمبر اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة (القرار 54/134)، حيث دعت الأمم المتحدة الحكومات، المنظمات الدولية والمنظمات الغير حكومية لتنظيم نشاطات ترفع من وعي الناس حول مدى حجم المشكلة في هذه الاحتفالية الدولية، النساء حول العالم عرضة للاغتصاب، العنف المنزلي وختان الإناث وأشكال أخرى متعددة للعنف، ويعتبر قياس حجم طبيعة المشكلة من الأمور التي يصعب تجميعها بدقة.

وأتى هذا التاريخ من عملية الاغتيال الوحشية في 1960 للأخوات “ميرابال”، الناشطات السياسيات في جمهورية الدومنيكان، بأوامر من ديكتاتور الدومنيكان رافاييل تروخيلو (1930 – 1961)، وهناك المزيد من المعلومات حول تاريخ هذا اليوم والإصدارات والمنشورات التي تصدرها الأمم المتحدة المتعلقة بالعنف ضد النساء على مكتبة داغ همرشولد،  “اليونيفيم” UNIFEM أو (صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة) لديه كذلك احتفاليات دورية باليوم العالمي ويعرض مقترحات لكيفية القضاء على العنف ضد المرأة.

مدونات عربية

اظهر المزيد